العيني
111
عمدة القاري
عبد الرزاق : أنه قال ، الضمير يعود على عمر ، رضي الله تعالى عنه ، جزم بذلك الترمذي في ( جامعه ) حيث نسب ذلك إلى عمر في هذه القضية . قلت : لم يجزم الترمذي بذلك أصلاً ، ولا ذكر ما زاده نافع لابن جريج ، وإنما لفظ الترمذي في ( جامعه ) في : باب من لم يسجد فيه ، أي : في النجم ، بعد روايته حديث زيد بن ثابت ، وقال بعض أهل العلم : إنما السجدة على من أراد أن يسجد فيها والتمس فضلها ، واحتجوا بالحديث المرفوع ، ثم قال : واحتجوا بحديث عمر ، رضي الله تعالى عنه ، أنه قرأ سجدة على المنبر فنزل فسجد ثم قرأها في الجمعة الثانية فتهيأ الناس للسجود فقال : إنها لم تكتب علينا إلاّ أن نشاء ، فلم يسجد ولم يسجدوا ، انتهى . فهذا لفظ الترمذي ، فلينظر من له بصيرة وذوق من دقائق تركيب الكلام ، هل تعرض الترمذي في ذلك إلى زيادة نافع عن ابن عمر ؟ أو ذكر أن الضمير في قوله : قال ، يعود على عمر ؟ ولو قال : مثل ما روى نافع عن ابن عمر ذكر الترمذي عن عمر مثله لكان له وجه ثم قال هذا القائل : واستدل بقوله : لم يفرض علينا ، على عدم وجوب سجدة التلاوة . وأجاب بعض الحنفية على قاعدتهم في التفرقة بين الفرض والواجب بأن نفي الفرض لا يستلزم نفي الوجوب ، وتعقب بأنه اصطلاح لهم حادث ، وما كان الصحابة يفرقون بينهما ، ويغني عن هذا قول عمر : ومن لم يسجد فلا إثم عليه . قلت : أما الجواب عن قوله : لم تفرض علينا ، فنحن أيضا نقول : لم يفرض علينا ، ولكنه واجب ، ونفي الفرض لا يستلزم نفي الواجب ، وأما قوله : وتعقب . . إلى آخره ، فلا نسلم أنه اصطلاح حادث ، وأهل اللغة فرقوا بين الفرض والواجب ، ومنكر هذا معاند ومكابر ، والأحكام الشرعية إنما تؤخذ من الألفاظ اللغوية . وأما قوله : وما كان الصحابة يفرقون بينهما ، دعوى بلا برهان ، والصحابة هم كانوا أهل اللغة والتصرف في الألفاظ العربية ، وهذا القول فيه نسبة الصحابة إلى عدم المعرفة بلغات لسانهم . وأما قوله : ويغني عن هذا قول عمر ومن لم يسجد فلا إثم عليه ، فقد أجبنا فيما مضى عن هذا بأنه : لا إثم عليه في تأخيره عن وقت السماع . فإن قلت : روى البيهقي من طريق ابن بكير : حدثنا مالك عن ( هشام بن عروة عن أبيه : أن عمر ، رضي الله تعالى عنه ، قرأ السجدة وهو على المنبر يوم الجمعة فنزل فسجد وسجدوا معه ، ثم قرأ يوم الجمعة الأخرى فتهيأوا للسجود ، فقال عمر : على رسلكم ، إن الله لم يكتبها علينا إلاّ أن نشاء ، وقرأها ولم يسجد ومنعهم ) . قال صاحب ( التوضيح ) : ترك عمر ، رضي الله تعالى عنه ، مع من حضر السجود ومنعه لهم دليل على عدم الوجوب ، ولا إنكار ولا مخالف ، ولا يجوز أن يكون عند بعضهم أنه واجب ويسكت عن الإنكار على غيره في قوله : ( ومن لم يسجد فلا إثم عليه ) قلت : عروة لم يدرك عمر ، رضي الله تعالى عنه ، قال خليفة بن خياط : وفي آخر خلافة عمر بن الخطاب ، يقال في سنة ثلاث وعشرين ، ولد عروة بن الزبير ، وعن مصعب بن الزبير : ولد عروة لست سنين خلت من خلافة عثمان رضي الله تعالى عنه ، فيكون منقطعا ، وهو غير حجة . وأما ترك عمر السجود فقد ذكرنا أنه لمعنىً من المعاني التي ذكرناها فيما مضى عن الطحاوي . وأما منعه لهم عن السجود على تقدير تسليم صحته ، فيحتمل أنه كان يرى أن التالي إذا لم يسجد لا يسجد السامع أيضا ، فيكون معنى المنع : إذا ما سجدت فلا تسجدوا أنتم أيضا . وروي عن مالك أنه قال : إن ذلك مما لم يتبع عليه عمر ، ولا عمل به أحد بعده ، وقال القائل المذكور أيضا : واستدل بقوله : ( إلا أن نشاء ) ، على أن المرء مخير في السجود ، فيكون ليس بواجب ، وأجاب من أوجبه : بأن المعنى إلاّ أن نشاء قراءتها فيجب ، ولا يخفى بعده ، ويرده تصريح عمر ، رضي الله تعالى عنه ، بقوله : ( ومن لم يسجد فلا إثم عليه ) فإن انتفاء الإثم عمن ترك الفعل مختارا يدل على عدم وجوبه . قلت : لا شك أن مفعول : نشاء ، محذوف ، فيحتمل أن يكون ذلك : السجدة ، يعني : إلاّ أن نشاء السجدة ، ويحتمل أن تكون : القراءة ، يعني : إلا أن نشاء قراءة السجدة ، فلا يترجح أحد الاحتمالين إلاّ بمرجح ، والأحاديث الواردة في هذا الباب تنفي التخيير ، فيترجح المعنى الآخر ، والجواب عن قوله : ويرده تصريح عمر . . إلى آخره ، قد ذكرناه . وقال هذا القائل أيضا : واستدل به على من شرع في السجود وجب عليه إتمامه ، وأجيب بأنه استثناء منقطع ، والمعنى : لكن ذلك موكول إلى مشيئة المرء بدليل إطلاقه ، ومن لم يسجد فلا إثم عليه . 11 ( ( بابُ منْ قرَأَ السَّجْدَةَ فِي الصَّلاَةِ فَسَجَدَ بِهَا ) ) أي : هذا باب في بيان حكم من قرأ سجدة التلاوة في الصلاة فسجد بها ، أي : بتلك السجدة ، وحكمه أن لا تكره قراءة